فؤاد سزگين
60
تاريخ التراث العربي
يذكر لنا أن أحد تلامذة ابن عباس وهو كريب بن أبي مسلم ( المتوفى 97 ه / 715 م ) كان قد حفظ لديه حمل بعير من مؤلفات أستاذه . وكان علي بن عبد اللّه بن العباس ( المتوفى 118 ه / 736 م ) يكتب إلى موسى بن عقبة من وقت لآخر راجيا أن يرسل إليه « صحيفة » ما لينسخها ، وكان الابن ينسخها ثم يعيدها إليه « 54 » . وليس ثمة ما يمنع إذن من قبول الفرض القائل بأن ابن العباس قد كتب بنفسه تفسيره - الذي ذكره المؤلفون - كثيرا - ورواه عنه فيما بعد علي بن أبي طلحة . أما الاعتراض بأن علي بن أبي طلحة لم يأخذ هذا التفسير سماعا عن ابن عباس ، فلا يطعن في ضوء معلوماتنا الحديثة في أصالة هذا الكتاب ، وإنما يشير إلى عدم معرفة بعلم أصول الحديث . أما النقد الموجه إلى ابن أبي طلحة في كتب الحديث فمرجعه أن الإسناد عنده ليس متصلا . ونحن - بعد ذلك - على ثقة من أن تفسير ابن عباس قد بقي - بأجمعه - عند الطبري « 55 » وهناك شروح أخرى لا تحصى ترجع إلى ابن عباس ، ويبدو أنها مأخوذة من كتب تلاميذه التي أنجزت تارة أثناء مجالس العلم العامة ، وتارة في مجالسه الخاصة أو في مناقشاته . على أنّ الاختلافات ، بل حتى أحيانا التناقضات بين هذه التفسيرات يمكن أن تفسر إلى حدّ ما كنتيجة للتطور الذي طرأ على فكر ابن العباس وعلى فكر تلاميذه الذين كانوا يتوجهون إليه دائما بأسئلة ثم يؤلفون بعد ذلك كتبهم في التفسير . ويتضح من النصوص أن التفسير القرآني قد تطور في هذه الفترة تطورا قويا وسريعا . وفضلا عن هذا فلدينا انطباع أن ابن عباس وتلاميذه لم يكن بإمكانهم أن يتجنبوا التفسير الحر للقرآن الكريم في وقت تطور فيه تفسير القرآن تطورا سريعا ، وكثيرا ما أدخل هؤلاء مبدأ « الرأي » وطبقوه في مجال التفسير . ودفع الحرص على تفسير القرآن أيضا عبد اللّه بن العباس وبعض تلاميذه إلى علماء النصارى واليهود من أهل الكتاب « 56 » . أما مجاهد ( المتوفى 104 ه / 722 م ) وهو أحد تلاميذ ابن عباس المقربين إليه فقد انطلق في التفسير الحر إلى مدى بعيد ، بحيث إننا نجد عنده بدايات التأويل المجازى بعبارات المشبهة ، وهو موضوع عنى به المعتزلة فيما بعد عناية شاملة « 57 » .
--> ( 54 ) انظر : طبقات ابن سعد 5 / 216 ، 5 / 293 والتهذيب لابن حجر 8 / 433 . ( 55 ) انظر : جولدتسيهر : اتجاهات التفسير القرآني goldziher , richtungen , 78 ( 56 ) المرجع السابق 67 - 68 Goldziher , Richtungen 67 - 68 ( 57 ) المرجع السابق لجولد تسهير 107 - 110 .